محمود توفيق محمد سعد

256

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

وهذا يتناسب مع مقصود السورة وما سيقت له من " الاستدلال على تحقق الساعة وقربها ولو بالموت ووقوع الحساب فيها على الجليل والحقير " « 1 » وكأنّ في الاستهلال بصيغة الافتعال ( اقترب ) دون الفعل المجرد ( قرب ) الإشارة " إلى مزيد القرب ؛ لأنّه لا أمّة بعد هذه الأمة ينتظر أمرها " فهي في نفس السّاعة فتلاقى البيان بصيغة الافتعال وتأخير الفاعل في الدلالة على شدة قرب الساعة وشدة هول ما فيها وقوله " لتذهب النفس في تعينه كلّ مذهب " فيه دلالة على أنّ اتساع المدلول وتنوعه قد لا يكون البيان عنه بكلمة ينطق بها اللسان بل قد تكون بالعدول عن موقع للكلمة إلى موقع آخر ، وكأنّ تخلى الكلمة عن موضعها الذي هو لها إنّما هو لأمر جليل عجزت عن الوفاء بحقه ضروب من الإبانة الناطقة بكلمة ، فانتدب للوفاء بحقه العدول عن مواقع الكلمات ، وفي هذا تأديب للأمة أن على كلّ ذي موقع يرى أنّ في التأخر عنه أو التقدم عليه ما يمنح هذه الأمة فيضا من النعمة فإنّ من الأدب العليّ الأخذ به نزولا على مقتضى حالها ، فكم من مقدّم في وضع الحياة تقضي بعض الأحوال تأخّره وتقديم من هو دونه في مرتبة وضعه ، فالاعتداد بما تقضي به الأحوال . * * * ومما كان العدول فيه ماجد العطاء قول الحق عزّ وجلّ : وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً ( الأحزاب : 26 ) ما يحيط بالآيات يرسم الهول والفزع والتنكيل الذي أصاب اليهود المظاهرين للأحزاب ، والبيان عن بني قريظة بالموصول وصلته ( الذين ظاهروهم ) لا يخفى عطاؤه ، وإبرازه الاشتهار بالصلة ومطابقة الجزاء لجريرتهم ، فكان إنزالهم من معاقلهم آية الجزاء على هذه الخيانة ، ومجرد البداية بهذا في سياق الهول والتنكيل يفهم منه أنّه إنزال إهانة ، ولكن " البقاعي " يرى أنّه " لمّا كان الإنزال من محل التمنع عجبا وكان على وجوه شتى ، فلم يكن صريحا في الإذلال ،

--> ( 1 ) - نظم الدرر : 12 / 378